ابن كثير

14

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

القرآن ، فاتق اللّه وعليك بالسداد . وقال أبو عبيد : حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبد اللّه بن مسلم بن يسار عن أبيه قال : إذا حدثت عن اللّه حديثا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده . حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال : كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه . وقال شعبة عن عبد اللّه بن أبي السفر قال : قال الشعبي : واللّه ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن اللّه عز وجل . وقال أبو عبيد : حدثنا هشيم حدثنا عمرو بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال : اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن اللّه . فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه . فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه ، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] ولما جاء في الحديث الذي روي من طرق : « من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيام بلجام من نار » . وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير : حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا محمد بن خالد بن عثمة حدثنا أبو جعفر بن محمد الزبيري حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا تعدّ « 1 » ، علمهن إياه جبريل عليه السلام ، ثم رواه عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي عن معن بن عيسى عن جعفر بن خالد عن هشام به ، فإنه حديث منكر غريب ، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قال البخاري : لا يتابع في حديثه . وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي : منكر الحديث ، وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن اللّه تعالى مما وقفه عليها جبرائيل ، وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث ، فإن من القرآن ما استأثر اللّه تعالى بعلمه ، ومنه ما يعلمه العلماء ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال : قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه أحد إلا اللّه . قال ابن جرير : وقد روي نحوه في حديث في إسناده نظر « 2 » ! حدثني يونس عن عبد الأعلى الصدفي أنبأنا ابن وهب قال : سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام - لا يعذر أحد بالجهالة به ،

--> ( 1 ) في الطبري : « إلا آيا بعدد » . ( 2 ) عبارة ابن جرير ( تفسير الطبري 1 / 57 ) : « وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خبر في إسناده نظر » وهو حديث يونس الصدفي .